يوسف المرعشلي

1643

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

قال ابن سودة : هذا الشيخ ممن اتصلت به لما ذهبت إلى الحج ، وقد جرى ذكره في رحلتنا كذلك كما تقدم في ترجمة محمد بن إبراهيم ، ونأتي هنا بمقتطفات من ذلك على وجه الاختصار : ولما تناولت الغداء عند سفير المغرب بمدينة جدة العلامة المشارك الخير الذاكر محمد غازي ، طلبت منه الذهاب عند الشيخ نصيف عالم جدة ، وذكرت أن عندي رسالة من الشيخ الأستاذ محمد ابن تاويت الطنجي مع بعض الكتب أرسلها إليه بواسطتي ، فقال : إن لي صحبة معه واتصالا كثيرا وإني أذهب معك عنده . فلما وصلنا إلى منزله قابلنا أحسن مقابلة ، وبعد التعرف قال : إني أسمع بآل ابن سودة بالمغرب من قديم الأزمان وإنهم يمثلون العلم به هذه المدة . وبعد المذاكرة سألته عن أشياخه فقال : عندي عدة أشياخ ولم أوفق لطلب الإجازة منهم عدا الشيخ فالح بن محمد الطاهر عالم مكة فإنه أجازني إجازة عامة . وهذا الشيخ توفي عام ثمانية وعشرين وثلاثمائة وألف ، ثم ناولته الجزء الأول من « اختصار كتاب العين مع الأربعين المنذرية » الذي كلفني الشيخ ابن تاويت بتقديمها إليه مع المذكرة ، وأبلغته السلام فاستعرضه في ذهنه وقال : نسيت هذا الرجل ولم أستحضره الآن لأني مصاب بالنسيان في هذه الأيام لكبر سني . وهذا الشيخ وجدته قد ظهر عليه أثر الكبر ، جاوز الثمانين فيما أظن ، كثّ الشيبة للاستدارة ، وسيم الطلعة يميل إلى القصر ، أثر العلم والدين ظاهر عليه ، وبعد ذلك ناولته الجزء الأول من « دليل مؤرخ المغرب الأقصى » فأخذ النظارتين وصار يتصفحه ، ففهمت منه أنه أعجبه الموضوع . فلما فهم المقصود منه قال : هذا عمل جادّ حسن ، ثم قال : أنت المؤلف ؟ قلت : نعم ، فقال : أكتب عليه الإهداء فامتثلت أمره ، ثم أشار إلى الخادم فأتانا بكأس صغير به نحو الملعقتين من ماء منكدر ، فلما شربت منه جرعة كدت أتقيّأ ، ونظرت إلى السفير فإذا هو لم يتناول منه شيئا ، وإنما تغافل الشيخ وألقاه في الأرض لأننا كنا في محل مرتفع والشارع أمامنا ، ثم إن الخادم أتى ببعض المشروبات العادية والحلويات ، ودار الشيخ جعل لها فناء يطلع إليه ببعض الدرج متصل بالمحجة ليس يوجد بها حجاب غير سور صغير ، وهي على جهتين ، جهة مفروشة بالزرابي ، وجهة بها بعض المقاعد المتوسطة الجودة وأثر القدم باد عليها وبها جلسنا . وبعد تناول المشروبات تكلم مع خادم له فأتاني بأربعة أسفار ، فناولنا ذلك فإذا جزء منها كتاب « ظلمات أبي رية أمام أضواء السنة المحمدية » تأليف محمد عبد الرزاق حمزة مدير دار الحديث بمكة والمدرس بالحرم المكي الشريف ، ثم جزء آخر وهو كتاب « الأنوار الكاشفة لما في كتاب أضواء على السنة من الزلل والتضليل والمجازفة » تأليف عبد الرحمن بن يحيى العلمي اليماني طبع على نفقه السلفي الجليل نصير السنة المحمدية الشيخ محمد نصيف وشركائه ، وبهذه التلميحة علمت مقدرة الشيخ . ثم طلبت منه الإجازة فامتنع كل الامتناع وقال تواضعا ؛ إن مثلي لا يستحق أن يجاز فأحرى أن يجيز غيره ، وعند ذلك تناول القلم وكتب على كتاب « ظلمات أبي رية » ما لفظه : مولانا الأستاذ المؤلف الشيخ عبد السلام ابن سودة . محمد نصيف ، ومثل ذلك على « الأنوار الكاشفة » . ولما رأيت ذلك قلت له : يا شيخ لا أريد أن أتعبك ، أرجوك أن تضيف إلى ذلك مع إجازتي له ، فصار يضحك وألححت عليه وكتب : مع إجازتي له ، في السفرين معا ، ثم أخذ النسخة الأخرى من الكتابين وكتب على الأولى : مولانا الأستاذ الشيخ محمد ابن تاويت الطنجي . محمد نصيف ، ومثل ذلك على الجزء الآخر ، وطلب مني أن أقدم ذلك هدية إلى الشيخ ابن تاويت الطنجي إذا رجعت . وبعد صلاة المغرب قام معي رفقة السفير ، فدخلنا إلى أول الدار فوجدنا محل خزانته وهي مرتبة على الفنون وصار يقول : هذه الناحية فيها كتب التفسير ، وهذه الناحية فيها كتب الحديث ، وهذه فيها كتب الفقه على اختلاف المذاهب ، إلى غير ذلك من الفنون وجلّها من الكتب المطبوعة . ثم سألته هل يوجد من بين الكتب كتب خطية ، فقال : ذلك على قلة ، ثم وصلنا إلى محل جلوسه الخاص به في المكتب . فقلت له : إني أطلب منكم أن تأذنوا في الجلوس بمحلكم تبرّكا ، فأخذ بيدي حتى أجلسني ، فلما جلست طلبت منه الدعاء ، وصار يدعو لي ولأمه سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم أمر الخادم أن يأتي بنسخ من تآليف صغيرة متشابهة يقرب عددها من عشرين نسخة ، فلما أخذت نسخة منها وجدتها كتاب « التحقيق والإيضاح من مسائل الحج والعمرة